زيد بن ثابت جامع القرآن الكريم

كل مسلم يتلو من كتاب الله سبحانه ولو كلمة؛ فإن لزيد بن ثابت منها حظه من الأجر والمثوبة، فإن كان مما يبقى للمرء من عمله بعد موته علم ينتفع به، فكيف بمن جمع القرآن الكريم، فكان بفضل الله وتقديره سبباً من أسباب حفظه من التحريف والضياع، تحقيقاً لوعده سبحانه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فما أعظمه من فضل ادخره الله سبحانه لهذا الشاب اليافع، الذي انبرى لهذه المهمة الثقيلة ولما يجاوز الثانية والعشرين من عمره.

  1. 1

    أنه زيد بن ثابت، من بني النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، هاجر النبي وعمره إحدى عشرة سنة، فأسلم مع أهله، وأراد الجهاد مع رسول الله، ولكن رده النبي صلى الله عليه وسلم في بدر وأحد، لصغر سنه، وكأني به إذ رده النبي عن أولى غزواته، أراد أن يخدم أمته ودينه في ميدان آخر تحتاجه الأمة، فتوجه إلى العلم، وعكف على كتاب الله سبحانه وتعالى حفظاً وتعلماً، حتى إذا أثبت نبوغه ونباهته واجتهاده، قربه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعله من كتاب وحيه، ووجهه لتعلم اللغات الأجنبية التي يراسل بها الدول المجاورة، يقول زيـد بن ثابت: أُتيَ بي إلى النبي، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: «تعلّمْ كتاب يهـود، فإنّي ما آمنهم على كتابي» ففعلتُ، فما مضى لي نصف شهـر حتى حَذِقْتُـهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له.
    وعن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحسن السريانية؟» قلت: لا. قال: «فتعلمها فإنه تأتينا كتب». قال: فتعلمتها في سبعة عشر يومًا.
    ثم يمضي زيد رضي الله عنه في ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ كل ما ينزل من كتاب الله عنه، حتى إنه قرأ عليه في العام الذي توفي فيه مرتين، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن فكان يقرئ بها، ويعلمها الناس حتى مات رضي الله عنه.
    وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن القرآن مجموعاً في مصحف، بل كان مبثوثاً في صدور الصحابة، ومفرقاً في صحائف عند هذا الصحابي أو ذاك، ونشبت حروب الردة، واستشرى القتل في القراء والحفظة، ففزع عمر بن الخطاب إلى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، يلح عليه أن يسارع إلى جمع القرآن، حفظاً له من الضياع بموت حفاظه وقرائه، فطوف الشيخان الجليلان ببصريهما، لينظرا من يصلح لحمل هذه الأمانة العظيمة، وتأدية هذا العمل الجلل؛ من عنده همة الشباب، وجلد الفتوة، ورجاحة العقل، ورسوخ العلم، فما وجدا خيراً من ذلك الشاب الذي كان يأمنه صلى الله عليه وسلم على كتابة الوحي، ومكاتبة الملوك والأمراء، ويشهد بعلمه وفضله القاصي والداني، حتى قال فيه ابن عباس: «لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم».
    فدعاه أبو بكر وقال له: «إنك شاب عاقل، لا نتهمك» وكلفه جمع القرآن الكريم، فمضى رضي الله عنه يجمع الآيات السور من صدور الحفاظ، ومن مواطنها المكتوبة، ويقابل ويتحرى، حتى أتم الأمر، وأبلى البلاء العظيم في إنجازه، وهو يقول: «والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه، لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن».
    فلله دره، ما أروع ما أنجز، وما أعظم ما قدم للأمة إلى قيام الساعة.

 

حرر هذه القائمة

يمكنك تحرير هذه القائمة

حرر هذه القائمة

تسجيل الدخول / تسجيل جديد