عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد والإمام العابد

المجدِّدِ الأول لشباب الإسلام على رأس المائة الأولى، والذي أقبلت عليه الدنيا بخيلها ورجِلِها فأعرض عنها رغبة في النعيم المقيم والملكِ العظيم في جوار رب العالمين، أعطر الناس سيرة وأطيبهم سريرة، ملأ الأرض عدلا بعد أن فشا فيها الظلم والجور، وغيّر وجه الأرض في سنتين وخمسة أشهر وبضعة أيام. عدنان حسن الخطيب، واعظ أول في دائرة الشؤون الإسلامية بدبي يحدثنا عن أبرز مراحل حياة الخليفة العادل:

  1. 1

    إنه الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز الذي جمع الفضائل وتنزهت نفسُه عن الرذائل، ظهرت عليه علاماتُ النجابة منذُ الصغر، فختم القرآن ولم يشتغل بما اشتغل به بعض الناس من الترف والثراء، ولكنه طلب الشرف الحقيقي والعزّ الدائم، فرحل إلى مدينة الرسول، وجالس فُقهاء المدينةِ وأخذ من علمهم وهديهم وسمتهم، وما تطلع يوما للخلافة. ولكنها إرادة الله، عز وجل، فقد اختير لها على حداثة سِنه، فرد المظالم، واستعمل أهل الخير والصلاح، وعزل أهل الجوْر والفساد، ووفر للناس سبل الرخاء، فأصلح الأراضي الزراعية، وحفر الآبار، وعمّر الطُّرُق، وأعدّ الخانات لأبناء السبيل، وأقام المساجد دون زخرفة أو تكلف، ورفـع رواتب العمال والولاة ليغنيهم عن الخيانة، فساد الغنى والسعة، ولم يعد أحد يأخذ الزكاة المفروضة فأعتق بها عبيدا، واشترى دورا لمن ليس له دار، وزوّج من كان بحاجة للزواج من المسلمين. فكثُر الخير وعمّ الصلاحُ، وانتشر الأمن، وانتظمت أمورُ العباد والبلاد.

  2. 2

    لقد عاش عمر شطراً من شبابه مرفّها مدللا يملك من المال والمتاع الكثير الكثير، ولكن كيف انقلبت حياته من رغد العيش ورخائه إلى شدته وضنكه؟ وكيف بدأت إنابته ويقظة قلبه؟ لقد سُئل عمر عن ذلك، فقال: غضبت من أحد مواليّ وهممت أن أضربه فقال لي: "يا عمر، اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة"، وما أعظمها من كلمة أنارت قلب عمر وأعدّته لما قضاه الله له من أمر عظيم، وهو خلافة المسلمين. ولما جاءته الخلافة وأصبحتْ خزائنُ الدُّنيا بحذافيرها بين يديه في هذه اللّحظة، التي تضعف فيها النُّفوس زاد عمر من عزيمته واستقامته، لأن المسؤولية صارت أعظم والسؤال يوم القيامة أصعب. ولذلك رأى عمر الخلافة ابتلاء ومحنة، ويذكر أنه لما تولى الخلافة صعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: "أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر من غير رأيٍ كان منّي فيه، ولا طلبةٍ له، ولا مشورة ٍمن المسلمين؛، وإني قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم"، فصاح الناسُ صيحة واحدة، كلُّهم يقول: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضيناك، فلما رأى الأصوات قد هدأت رفع صوته حتى أسمعهم فقال: "يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعتهُ، ومن عصى الله فلا طاعة له عليكم".

  3. 3

    كان عمر حسن الخلقْ والخُلق، كامل العقل، حسن السّمت، حريصاً على العدل، وافر العلم، ظاهر الذكاء والفهم، أواهاً منيباً، حنيفاً زاهداً، قانتا بكّاء، بكى مرة فأبكى زوجته وأبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم البُكاءُ قالت له زوجتُه فاطمة: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، مِمّ بكيت؟ قال: تذكرتُ ـ يا فاطمة ـ مُنْصرف القوم بين يدي الله، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، ولا أدري من أيِّ الفريقين أنا، ثم صرخ مغشياً عليه.

  4. 4

    ولما حضر الأجل، وحان الاحتضار، نزل الموت الذي طالما أفزع عمر، وأقلقه، نزل بعد طولِ استعداد، وطولِ عمل، فتح عمرُ عينيه، وأحدّ نظره، ثم قال: إني لأرى حضرة، ما هم بإنس ولا جانٍّ!! ثم حرّك شفتيه، فسمعوه يقول: ﴿تِلْك الدّارُ الآخِرةُ نجْعلُها لِلّذِين لا يُرِيدُون عُلُوّا فِي الأرْضِ ولا فساداً والعاقِبةُ لِلْمُتّقِين﴾.

 

حرر هذه القائمة

يمكنك تحرير هذه القائمة

حرر هذه القائمة

تسجيل الدخول / تسجيل جديد