عبد الرحمن الناصر موحد الأندلس وباني «الزهراء»

في أواخر القرن الثالث الهجري كانت الأندلس تعيش فترات في غاية السوء، إن كان على الصعيد السياسي، حيث التشرذم والفتن والقلاقل تسود البلاد، أو على الصعيد الاجتماعي حيث انتشر اللصوص وقطاع الطرق، وفقد الناس الأمان، مما أطمع الممالك الأوروبية المجاورة في الهجوم على البلاد وسلبها، واقتطاع أجزاء منها، لما رأوه من سوء حالها، وضعف قادتها وجيوشها.
في هذه الأثناء تولى إمارة قرطبة شاب يافع في الثانية والعشرين من عمره، هو عبدالرحمن بن محمد، الذي يعود نسبه إلى عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس.

  1. 1

    كان هذا الأمير قد نشأ يتيماً، فقد قتل أبوه بعد أحد وعشرين يوماً فقط من ولادته، فتربى في كنف جده أمير قرطبة عبدالله بن محمد، ورأى فيه جده من القوة في شخصيته، والعظمة في نفسه وخلقه، ما جعله يوليه الإمارة من بعده، برغم وجود من هو أكبر وأولى بها منه، قال ابن حزم الأندلسي: كانت خلافته من المستطرف؛ لأنه كان شاباً، وبالحضرة جماعة من أعمامه، وأعمام أبيه، فلم يعترض معترض عليه.
    وقال مؤرخ الإسلام الذهبي: وتوفي جدّه عبد الله الأمير فِي سنة ثلاث مئة، فولي عبد الرَّحمن الأمر بعد جدّه. وكان ذلك من غرائب الوجود، لأنّه كان شابّاً وبالحضرة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه. وتقدَّم هو، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، فاستقام له الأمر.

  2. 2

    وبالفعل كان الأمير الشاب عند حسن ظن جده، فإذا به يسير على خطا عبد الرحمن الداخل، فينطلق بما أوتيه من همة الشباب، وعزم الفتوة في الجهاد، ومنازلة الأعداء، ومقارعة أهل الشقاق، لا يكاد يهدأ أو يقعد طوال فترة حكمه، وما هي سوى أعوام معدودة حتى استطاع ضم إشبيلية وغرناطة وجيان لحكمه، بعدها قاتل مملكة ليون وانتصر عليها وأصبح غرب الأندلس أيضاً تحت حكمه، ثم استمر في الفتوحات، الحصن بعد الحصن، والقلعة إثر القلعة حتى توحدت الأندلس كلها، وأصبحت الدولة العظمى والأقوى في ذلك الزمن، وكان لا يفتح مدينة أو قلعة إلا وأصلح حالها، وأقام العدل بين أهلها، وبنى لهم المدارس والمساجد ودور التطبيب، حتى أصبحت الأندلس في عهده قبلة العالم، وأكثر الدول حضارة ورقياً وعزاً، وأصبحت عاصمته قرطبة من أعظم مدن العالم إلى جانب بغداد، وكان يتوافد عليها طلبة العلم من أنحاء أوروبا، حتى إن ملك إنكلترا بعث برسالة يرجو فيها الناصر لدين الله أن يعلم أربعة طلاب في جامعة قرطبة، وذيلها بالتوقيع التالي: «خادمكم المطيع ملك إنجلترا».
    يقول لسان الدين ابن الخطيب واصفاً الأمير الناصر وخلافته وما حقق فيها: «ولي الخلافة، فعلا جدّه، وبعُد صيته، وتوطّأ ملكه، وكأن خلافته كانت شمساً نافية للظلمات، فبايعه أجداده وأعمامه وأهل بيته، على حداثة السّن، وجِدة العمر، فجدّد الخلافة، وأحيا الدعوة، وزيّن الملك، ووطّد الدولة، وأجرى الله له من السّعد ما يعظم عنه الوصف ويجلّ عن الذكر، وهيّأ له استنزال الثوار والمنافقين واجتثاث جراثيمهم».

  3. 3

    وقام بعد ذلك ببناء مدينة الزهراء، فأنفق في بنائها نفقة عظيمة، واعتنى بها عناية كبيرة، فكانت بحق أعظم مدينة في الأرض، بل أعجوبة من أعاجيب الدهر، ومازال صرحها قائماً حتى يومنا هذا يشهد، بما بلغته الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر من تقدم وتطور على كافة الصعد العلمية والهندسية والفنية.

    وفي عام 350هـ، طوى الأمير صفحة حياته، وحينما مات وجد المؤرخون رسالة كان قد كتبها يعد فيها الأيام التي ارتاح فيها، فوجدوها أربعة عشر يوماً فقط. أما بقية حياته فكانت عملاً وخدمة للأمة، وإنجازات تشهد بعظمته وعلو شأنه. رحمه الله رحمة واسعة.

 

حرر هذه القائمة

يمكنك تحرير هذه القائمة

حرر هذه القائمة

تسجيل الدخول / تسجيل جديد